محمد بن جرير الطبري

93

جامع البيان عن تأويل آي القرآن

* ( وقال الذين في النار لخزنة جهنم ادعوا ربكم يخفف عنا يوما من العذاب * قالوا أولم تك تأتيكم رسلكم بالبينات قالوا بلى قالوا فادعوا وما دعاء الكافرين إلا في ضلال ) * . يقول تعالى ذكره : وقال أهل جهنم لخزنتها وقوامها ، استغاثة بهم من عظيم ما هم فيه من البلاء ، ورجاء أن يجدوا من عندهم فرجا ادعوا ربكم لنا يخفف عنا يوما واحدا ، يعني قدر يوم واحد من أيام الدنيا من العذاب الذي نحن فيه . وإنما قلنا : معنى ذلك : قدر يوم من أيام الدنيا ، لان الآخرة يوم لا ليل فيه ، فيقال : خفف عنهم يوما واحدا . وقوله : قالوا أولم تك تأتيكم رسلكم بالبينات يقول تعالى ذكره : قالت خزنة جهنم لهم : أو لم تك تأتيكم في الدنيا رسلكم بالبينات من الحجج على توحيد الله ، فتوحدوه وتؤمنوا به ، وتتبرؤوا مما دونه من الآلهة ؟ قالوا : بلى ، قد أتتنا رسلنا بذلك . وقوله : قالوا فادعوا يقول جل ثناؤه : قالت الخزنة لهم : فادعوا إذن ربكم الذي أتتكم الرسل بالدعاء إلى الايمان به . وقوله : وما دعاء الكافرين إلا في ضلال يقول : قد دعوا وما دعاؤهم إلا في ضلال ، لأنه دعاء لا ينفعهم ، ولا يستجاب لهم ، بل يقال لهم : اخسئوا فيها ولا تكلمون . القول في تأويل قوله تعالى : * ( إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الاشهاد * يوم لا ينفع الظالمين معذرتهم ولهم اللعنة ولهم سوء الدار ) * . يقول القائل : وما معنى : إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا وقد علمنا أن منهم من قتله أعداؤه ، ومثلوا به ، كشعياء ويحيى بن زكريا وأشباههما ، ومنهم من هم بقتله قومه ، فكان أحسن أحواله أن يخلص منهم حتى فارقهم ناجيا بنفسه ، كإبراهيم الذي هاجر إلى الشام من أرضه مفارقا لقومه ، وعيسى الذي رفع إلى السماء إذ أراد قومه قتله ، فأين النصرة التي أخبرنا أنه ينصرها رسله ، والمؤمنين به في الحياة الدنيا ، وهؤلاء أنبياؤه